جلال الدين السيوطي

729

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

أرسلت نفسي على سجيّتها * وجئت ما جئت غير محتشم قال الزّجّاج : فقلت له : أليس يقول الأصمعيّ : الحشمة الغضب ؟ فقال : الحشمة الغضب ، والحشمة الاستحياء ؛ لأنّ الغضب والاستحياء جميعا نقصان في النفس وانحطاط عن الكمال ؛ فلذلك كان مخرجهما واحدا . قال : فقلت له : أليس الحياء محمودا والغضب مذموما ، وقد روي أنّ الحياء شعبة من الإيمان ، وروي : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ؟ فقال : الحياء محمود في الدّين ، وفي اجتناب المحارم ، وفي الإفضال ، وأمّا في ترك الحقوق والنكوص عن الخصوم عند الحجاج فهو نقصان في النفس . قال المبرّد : وسمعت المازنيّ يقول : معنى قوله : « إذا لم تستحي فاصنع ما شئت » أي : إذا صنعت ما لا تستحيي من مثله ، فاصنع منه ما شئت ، وليس على ما يذهب إليه العوام . وهذا تأويل حسن . انتهى . وفي معجم ياقوت « 1 » ، قال : قرأت في كتاب ابن فورجة المسمّى بالفتح على أبي الفتح ، قال : زعموا أنّ أبا العباس المبرّد ورد الدّينور زائرا لعيسى بن ماهان ، فلما دخل عليه ، وقضى سلامه ، قال له عيسى : أيّها الشيخ ، ما الشاة المجثّمة التي نهى النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) عن أكل لحمها ؟ فقال : هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة . فقال : هل من شاهد ؟ قال : نعم ، قول الراجز : لم يبق من آل الحميد نسمه * إلا عنيز لجبة مجثّمه فإذا الحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدّينوريّ ، فلما دخل ، قال له : أيّها الشيخ ، ما الشاة المجثّمة التي نهينا عن أكل لحمها ؟ فقال : هي التي جثمت على ركبها وذبحت من خلف قفاها . قال : فكيف تقول وهذا شيخ أهل العراق - يعني المبرّد - يقول : هي مثل اللجبة ، وهي القليلة اللبن ، وأنشده البيتين « 2 » . فقال أبو حنيفة : أيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا التفسير سمعه أو قرأه ، وإن كان البيتان إلا لساعتهما هذه . فقال المبرّد : صدق الشيخ أبو حنيفة ، فإني أنفت أن أرد عليك من العراق وذكري ما قد

--> ( 1 ) معجم الأدباء : 1 / 259 - 260 . ( 2 ) شطر الرجز يسمى بيتا .